الشيخ عبد الغني النابلسي

116

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [ إبراهيم : 27 ] ، أي يحيرهم فلا يهديهم إلى معرفة الأمر على ما هو عليه لظلمهم لأنفسهم أو لغيرهم ، فكلما عدلوا عن الحق عدل بهم فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] . وليس ما ذكر من شهود الثبوت في الوجود بدائم فينا معاشر المؤمنين ولكن ذاك أحيانا ، أي في أوقات دون أوقات ، فلا بد من شهود الثبوت في الوجود ، وشهود الوجود في الثبوت ، فالوجود واحد والثبوت كثير ، والوجود مطلق والثبوت مقيد ، والوجود له الظهور والبطون والثبوت له الظهور والبطون ، وهما كالليل والنهار ، بل الليل والنهار كما قال تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وهي القمر وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 12 ] وهي الشمس . وفي الحديث : « فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » « 1 » . وفي رواية أخرى : « كما ترون الشمس في الظهيرة » « 2 » . * * * وممّا يدلّ على ما ذكرناه من أمر النّفخ الرّوحاني مع صورة البشر العنصريّ هو أنّ الحقّ وصف نفسه بالنّفس الرّحماني ولا بدّ لكلّ موصوف بصفة أن يتبع جميع ما تستلزمه تلك الصّفة ، وقد عرفت أنّ النّفس في المتنفّس ما يستلزمه فلذلك قبل النّفس الإلهيّ صور العالم . فهو لها كالجوهر الهيولانيّ ، وليس إلّا عين الطّبيعة . فالعناصر صورة من صور الطّبيعة وما فوق العناصر وما تولّد عنها فهو أيضا من صور الطّبيعة ، وهي الأرواح العلويّة الّتي فوق السّموات السّبع . ومما يدل على ما ذكرناه في مسألة أمر النفخ الروحاني الذي هو من اللّه تعالى مع صورة البشر العنصري ولا يمكن أن يعرف إلا ذوقا كواقعة أبي يزيد رضي اللّه عنه المذكورة هو ، أي الذي يدل على ذلك أن الحق تعالى وصف نفسه بسكون الفاء ، أي ذاته على لسان نبيه عليه السلام بالنفس بفتح الفاء الرحماني قال عليه السلام : « أني لأجد نفس الرحمن يأتيني من جهة اليمن » « 2 » ولا بد لكل موصوف بصفة أن تتبع الصفة جميع ما تستلزمه تلك الصفة من الأمور التي لا ثبوت لتلك الصفة إلا بها وقد عرفت يا أيها السالك أن النفس بفتح

--> ( 1 ) روى نحوه الترمذي في سننه ( 17 باب منه ) حديث رقم ( 2554 ) [ 4 / 688 ] . ( 2 ) رواه الدارقطني في رؤية اللّه ، ثالثا ذكر رواية أبي هريرة ، حديث رقم ( 48 ) [ 1 / 63 ] .